ان مدعاة كتابة هذه المقالة تعود إلى إستماعي لأغنية (القمر بضوي) من تراث قبيلة البقارة السودانية بصوت المغنية الإسرائيلية (راحيلا كوفتوم) والتي اجادت واتقنت أداء هذة الاغنية بل نجحت في التسويق لها

" />

مجموعة الراصد للبحوث والعلوم

مجموعة الراصد للبحوث والعلوم

Rasid Group For Researches & Sciences

قراءة في محاولات إسرائيل للتطبيع الثقافي

قراءة في محاولات إسرائيل للتطبيع الثقافي

2016-02-24

أ. عبدالرحمن محمد أحمد

ان مدعاة كتابة هذه المقالة تعود إلى إستماعي لأغنية (القمر بضوي) من تراث قبيلة البقارة السودانية بصوت المغنية الإسرائيلية (راحيلا كوفتوم) والتي اجادت واتقنت أداء هذة الاغنية بل نجحت في التسويق لها. راحيلا هي إسرائيلية من أصول بولندية، عاشت نصف عمرها في شبه جزيرة سيناء المصرية منذ أن كانت في التاسعة عشر من عمرها، وتزوجت بدوياً، والدتها تعيش في إسرائيل، في بلدة "كاديما"، وهي مهتمة بالتراث والغناء العربي البدوي الصحراوي في شبة الجزيرة العربية، وامتداده غرب البحر الاحمر في سيناء وحتي بادية كردفان في وسط السودان.

وتقول راحيلا في حديث لها في إحدى القنوات العربية أنٌها مغرمة بالغناء العربي والخليجي وأنها في الفترة عيشها في شبة جزيرة تعلقت بالأغاني الخليجية التي كان يجلبها السياح الخليجيين إلى تلك المناطق بأشرطة الكاسيت، وبدأت بعدها بالغناء ثم تعلمت الكتابة العربية، إلى أن بدأت مؤخراً بتعلم العزف على آلة العود. وتقول يعود ذلك كله لإعجابها بمواد الأدب والثقافة والموسيقى منذ أن كانت على مقاعد الدراسة، ووجدت (حسب وصفها) ذاتها في أداء "الأغنية الخليجية".

ولدى راحيلا كتابات في الشعر النبطي في الجزيرة العربية وتعود محاولات رحيلا إلى أكثر من خمس سنوات، وهي تحفظ الكثير من القصائد، كما أنها تعشق قصائد وكتابات الأمير خالد الفيصل والدكتور مانع العتيبة، مبينة حجم معاناتها في محاولة وزن أشعارها، إلا أنها رأت في الشعر العمودي الطريق الأفضل للكتابة باللهجة البدوية. 

وتتنقل راحيلا في كل من تل أبيب ودبي والقاهرة  حاملة جواز سفر أمريكي، والذي سهل لها حرية الحركة والقبول لدى المجتمع العربي بإعتبارها مغنية أمريكية، حيث ظهرت في عدد من القنوات العربية والخليجية وهي تغني بشكل جميل ومدهش، احدثت هذة المغنية ضجة كبيرة في الاوساط الفنية والاعلامية في الوطن العربي، وانتشرت أغنياتها بالعربية والعبرية في وسائل الاعلام القديم من اذاعة وتلفزيون، وكان الحدث الأكبر هو الانشارا الواسع في وسائل الاعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي في فيس بوك وواتساب وتقبل فئات من المجتمع العربي لهذة الاغنيات، حتى هنا في السودان كضرب مثال (أغنية القمر بضوي) من تراث أغاني قبيلة البقارة في بادية كردفان حققت انتشاراً وتداولاً كبيراً في مواقع التواصل الاجتماعي بين اوساط السودانيين وأدت راحيلا الاغنية باللغتين العبرية والعربية باللهجة السودانية.

من المعروف قدرة الفن والابداع والموسيقى في تحطيم وتجاوز كل الحواجز والوصول والتغلغل إلى داخل المجتمعات المختلفة والمتباينة، بادرني سؤال يطرح نفسه بإلحاح وأنا اشاهد هذة المغنية الإسرائيلية وهي تجيد هذا النوع من الغناء وتغوص في هذة الثقافة العربية البدوية. السؤال هو هل ستنجح إسرائيل في التطبيع الثقافي مع الشعوب العربية من خلال هذة المحاولات الجريئة والجيدة  عبر الفن والإبداع الموسيقى لتصل إلى الشعوب، وفي علمنا أنٌ إسرائيل أكملت كل مراحل التطبيع السياسي والاقتصادي مع الحكومات العربية في المنطقة.

وتتواصل محاولات إسرائيل في التطبيع الثقافي حيث منحت الكاتب المسرحي المصري 'علي سالم' شهادة الدكتوراة الفخرية من جامعة بن جوريون تقديراً لجهوده في دفع عملية السلام ، الذي جاء في حيثيات منحه للجائزة أنه يعيش وسط غابة من المعارضين لإسرائيل إلا أن هذا لم يمنعه من ممارسة حقه في ' حب ' إسرائيل والتعاون معها. 


ويعتبر سالم من أشد المثقفين العرب تمسكاً بالتطبيع مع إسرائيل بل ويرى أن معاداة إسرائيل التي اغتصبت الأراضي وقتلت الناس هو أمر يندرج تحت ما يسميه ب' التراث الشعبي الذي يجب التخلي عنه خاصة في ظل التغيرات التي تحدث في العالم الآن والتي تجبر الجميع على التعاون مع إسرائيل والتعاون معها. 

إنٌ المدهش والمثير في الأمر أن سالم بات وبهذا التكريم المثقف العربي رقم مائه الذي نال شهادة تكريم وتقدير من إسرائيل منذ إقامتها عام 1948، ومن أبرز هؤلاء المفكرين البروفيسور المصري 'أحمد زويل' الحائز علي جائزة نوبل، والذي منح منذ سنوات جائزة وايزمان للعلوم وهي أحد أهم الجوائز العلمية في إسرائيل والشاعر المغربي 'الطاهر بن جلون' الذي نال جائزة ' الأدب' الإسرائيلية التي منحتها له جامعة حيفا عند زيارته إلي إسرائيل والمفكر العراقي 'كنعان مكية' الذي زار إسرائيل منذ قرابة الثلاث سنوات وحصل علي شهادة الدكتوراة الفخرية من جامعة تل أبيب بعد تلبيته دعوة الجمعية الإسرائيلية للعلوم بجانب العشرات من النماذج العربية التي تحضر وبصورة دورية إلي إسرائيل وتم منحها شهادات الدكتوراة الفخرية

 ويمكننا هنا الإشارة لتقرير المعهد الإسرائيلي العام للدراسات العلمية المتخصصة حول دراسة له صدرت بعنوان ' التكريم الإسرائيلي .. سلم للعالمية ' إلي أن المثقفين العرب ممن يدرسون ويعيشون في الدول الأوروبية ويقيمون بها هم الأكثر حصولاً على الجوائز وشهادات التقدير من الجامعات والمعاهد الإسرائيلية ولا يرون أزمة في إقامة علاقات مع إسرائيل .

ونضيف أن إسرائيل تقوم بتشجيع الرحلات العلمية التي يقوم بها الباحثون أو المفكرون العرب إلي تل أبيب ، وهى الرحلات التي تفتح باب التطبيع الثقافي الإسرائيلي مع الشعوب العربية والذي يؤدي إلى نتائج هامة تعود بالفائدة على إسرائيل خاصة مع قوة تأثير المفكرين في الوطن العربي. 

إنٌ ما يشد عين الباحث في هذا الموضوع هو أن عدداً من المفكرين ممن كرمتهم إسرائيل أقاموا ما يسمى ب' جمعية أصدقاء إسرائيل العلمية العربية ' وهى الجمعية التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقراً لها وتحظى بدعم القوى اليهودية والصهيونية في العالم ، حيث توفر لكل من يلتحق بها دعوات مجانية لإسرائيل أو مساعدات مالية تساعد أي باحث أو مفكر في أبحاثة العلمية بل وتساهم في مساعدة أي شاعر أو أديب عربي على طباعة كتبه أو أعماله الأدبية بدون مقابل في كبرى أدوار النشر العالمية.

وكذلك أنشأت المعارضة والناشطة السودانية تراجي مصطفي جمعية للصداقة الإسرائيلية السودانية، مستفيدة من الأوضاع السابقة في دارفور وأعداد المهاجرين واللاجئين السودانيين في إسرائيل، وتسوق تراجي فكرة أنٌ إسرائيل دولة قانون وتحترم حقوق الانسان وحرياته، وأنها تقف مع المظلومين والمقهورين.

وتتضح خطورة أهداف هذه الجمعيات مع تركيزها في الأساس علي ربط أي مساعدة تقدمها للمثقفين العرب بزيارتهم إلي إسرائيل ، وهي الزيارات التي تركز علي مناطق ذات أهداف معينة مثل زيارة المعابد اليهودية في القدس والمتاحف التاريخية مثل متحف جرائم النازية وغيرها من الأماكن التي تحمل زيارتها إشارات علي تأييد دعاوى إسرائيل والإيمان بوجود حقوق لليهود في فلسطين، وهو الإيمان الذي يصل في بعض الأحيان إلي الزعم بأن الفلسطينيين لا يمتلكون في الأساس حقوقاً تاريخية في أرض فلسطين بل وأن اليهود هم أصحاب الأرض الأصليون و الفلسطينيون هم المعتدون .

وقد ظهرت نتائج هذة المحاولات الاسرائيلية في التطبيع الثقافي، حيث أعلن عدد من الأساتذة والمحاضرين المصريين في الجامعات الأميركية ممن زاروا إسرائيل عن تضامنهم مع العائلات اليهودية التي فقدت ذويها في العمليات التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية ، وهو التضامن الذي دفع هؤلاء المصريين إلي زيارة هذه العائلات بل وهم يرددون ' لا للإرهاب' الأمر الذي أغضب الفلسطينين والقوى العربية في إسرائيل. 

إنٌ المحاولات الإسرائيلية للتطبيع الثقافي مع النخب والمثقفين والفنانين العرب هو بداية المخطط للتطبيع الثقافي العام مع الشعوب العربية حيث أنٌ للنخبة تأثير كبير على عامة الشعوب، و تسعى إسرائيل بكل قوة لتحقيق هذا التطبيع الثقافي خاصة في ظل التغيرات التي تعصف بالمنطقة العربية مستغلة التغيرات والتحولات التي تمر بها ، الأمر الذي يلقي علي عاتق كل مثقف عربي مهمة التصدي لهذه المحاولات التي لا تهدف إلا لخدمة المنظومة الصهيونية في الأساس.

مقالات

إستطلاع رأي

تحميل ...

مجموعة الراصد

مؤسسة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة , تدير الراصد أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم عامل ومتخصص فى مجالات عدة من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة المزيد عن الراصد